جدة إبليس المصرية وثنائي الشر.. قلب بلا رحمة

بعض الجرائم لا تصيب القلب فقط، بل تجعل العقل عاجزًا عن استيعاب ما حدث. قضايا تقف أمام تفاصيلها عاجزًا تمامًا وتتساءل: هل من الممكن أن يصل الشر داخل النفس البشرية إلى هذا الحد؟ وهل صاحب هذا الفعل ينتمي حقًا إلى فصيلة البشر؟
هذه هي حكاية جريمة الصف في الجيزة، الواقعة التي حملت تفاصيل صادمة، وجعلت الجميع يتساءل عن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها بيت يفترض أن يكون مأمنًا للأطفال إلى مسرح لمأساة لا تخطر على بال.
البداية.. أسرة تبدو طبيعية والشر يتصاعد في الخفاء
في إحدى قرى مركز الصف بمحافظة الجيزة، وتحديدًا خلال عام 2026، كانت العائلة تبدو أمام الجيران طبيعية، لكن داخل البيت كانت الكراهية والغل يتصاعدان.
ويعود أصل هذا الشر، بحسب الرواية التي تحملها القضية، إلى فترة السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت الأم، وتدعى فتيحة، تعيش منذ شبابها حالة من الحقد والتمرد والكراهية الدفينة تجاه واقعها وأهلها وكل من حولها.
وكانت ترى نفسها منبوذة، وتشعر بنقص دائم وقبح داخلي، مما جعلها تحمل عقدًا نفسية وغيرة مرضية تراكمت عبر العقود.
ومع مرور السنوات، لم تختفِ تلك المشاعر، بل ظلت تكبر في داخلها، حتى جاء اليوم الذي دخلت فيه أمل إلى العائلة زوجةً لابنها مصطفى.
مصطفى وأمل.. زواج أشعل الخلافات
بدأت المأساة عندما قرر ابنها الشاب مصطفى، المشهود له بالخلق وطاعة والدته، أن يتزوج من الفتاة التي اختارها قلبه وتدعى أمل.
لم تتقبل الأم هذه الزيجة إطلاقًا، فقد كانت ترغب في فرض زوجة من اختيارها والتحكم فيها، لتتحول هذه الخيبة إلى كراهية مستمرة تجاه زوجة ابنها منذ يومها الأول في المنزل.
ومع الأيام، اشتعل هذا الكره أكثر، خصوصًا عندما عادت ابنة فتيحة إلى بيت العائلة مطلقة ومحطمة نفسيًا.
الابنة المطلقة.. دخول طرف جديد في الصراع
لم تكن الابنة مجرد ضحية، بل كانت، بحسب الرواية الواردة في القصة، نسخة طبق الأصل من أمها في الحقد والتمرد والكراهية.
وتشير الرواية إلى أن طلاقها لم يكن بسبب خطأ من زوجها، الذي كان رجلًا طيبًا بشهادة الجميع، بل بسبب اكتئابها وتأثرها بطباع أمها، ليشكلا معًا ثنائيًا إجراميًا متكاملًا داخل البيت.
أصبحت الأم وابنتها تراقبان أمل بحسد شديد، وكان يؤلمهما أن تريا الزوج يعاملها باحترام واهتمام.
وكانت الجدة تهاجم أمل يوميًا بكلام قاسٍ، وتقول لها:
«كيف تعيش ابنتي مطلقة ومقهورة، بينما تجلسين أنتِ كالملكة وزوجك يشتري لكِ الملابس والحلويات ويأخذكِ ليفسحكِ؟»
تحولت الحياة إلى حصار يومي ومشاكل لا تتوقف، بينما كانت أمل تحاول تجنب الاحتكاك، وتسجيل بعض التجاوزات لزوجها لتثبت له ما يحدث.
ورغم محاولات الأم المستمرة لإجباره على طلاقها أو طردها، كان مصطفى يرفض الاستسلام، ويتمسك ببيته، مع استمراره في بر أمه.
عندما فشلت محاولات التفريق
وعندما أدركت الجدة وابنتها أن كل محاولات التفريق والضغط النفسي فشلت، قررتا، بحسب ما ورد في تفاصيل القضية، التحول إلى شياطين داخل البيت واستهداف الأطفال الأبرياء بالأذى والقتل.
كان الهدف، وفقًا للرواية، إما إرغام الأم على الهرب من الرعب، أو إجبار مصطفى على طلاقها بعد تجريده من فرحته بأطفاله.
ومن هنا بدأت واحدة من أكثر فصول جريمة الصف مأساوية وصعوبة في التصديق.
الجريمة الأولى.. الطفلة التي لم يتجاوز عمرها عامًا ونصف
بدأت الجريمة الأولى مع الطفلة الكبرى، وهي طفلة لم يتجاوز عمرها عامًا ونصف.
استغلت الجدة خروج أمل من البيت لفترة قصيرة، وقامت، بحسب الاتهامات الواردة في التحقيقات، بحقن جسد الطفلة بمادة مبيضة والهواء باستخدام إبرة أحدثت ثقوبًا متجاورة، في محاولة لإيهام الجميع بأن الطفلة تعرضت للدغة ثعبان سام.
وعندما عادت الأم، صرخت الجدة مدعية أن ثعبانًا لدغ الطفلة.
في لحظات، تحول المنزل إلى حالة من الهلع، وركض الأب والأم بالطفلة إلى المستشفى لإنقاذ حياتها.
هناك دخلت الصغيرة العناية المركزة في حالة حرجة للغاية، واضطر الأطباء إلى إجراء جراحة عاجلة واستئصال معدتها بالكامل لإنقاذ حياتها، ثم استبدالها بمعدة صناعية تمكنها من البقاء على قيد الحياة.
نجت الطفلة، لكن أحدًا لم يكن يعرف أن هذه الواقعة لم تكن نهاية المأساة.
مولود جديد.. والشر يعود من جديد
لم يتوقف هذا الشر عند هذا الحد، بل زاد طمعهما وإجرامهما بشاعة بعد فترة قصيرة عندما أنجبت الأسرة مولودًا جديدًا.
اندفعتا لاستكمال مخططهما الأسود واستهداف المولود الجديد.
وفي 24 أبريل 2026، وقبل أن يتم الرضيع ثمانية وثلاثين يومًا من عمره، وفي غياب الأبوين، أقدمت الجدة، وفقًا لما ورد في التحقيقات، على تصرف وحشي غير مسبوق.
حيث غُرست الإبرة لمسافة عميقة جدًا داخل صدر الرضيع حتى اخترقت الرئة اليمنى، وسُكبت فيها مادة ملوثة بدم الحيض الخاص بابنتها المطلقة، ثم سُحبت الإبرة وغُرست بنفس العمق والطريقة في الرئة اليسرى، في محاولة لتدمير رئتيه، مما أدى إلى وفاته.
كانت النهاية مأساوية لرضيع لم يكن قد أكمل حتى 38 يومًا من عمره.
مستشفى الصف يكشف الشبهة الجنائية
تم نقل الرضيع إلى مستشفى الصف المركزي، وكانت العمة تقف خارج الباب تصرخ وتبكي أمام الناس، وتتظاهر بأن قلبها يحترق على أبناء أخيها لإبعاد أي شبهة عنها.
لكن الأطباء داخل المستشفى لاحظوا وجود ثقوب عميقة ودقيقة في منطقة الصدر والرئتين، فأبلغوا الشرطة فورًا بشبهة جنائية.
وصل رئيس المباحث المقدم محمد الصاوي ليبدأ التحقيق مع جميع قاطني المنزل، وخضع أفراد الأسرة لتحقيق مكثف لكشف غموض هذه الجريمة.
لا غريب دخل المنزل.. إذن من القاتل؟
راجعت الشرطة كاميرات المراقبة المحيطة بالمنزل، وتبين أنه لم يدخل أو يخرج أي غريب وقت وقوع الجريمة.
وهنا بدأت دائرة الشك تضيق.
فإذا لم يكن هناك شخص غريب دخل المنزل، فمن الذي ارتكب الجريمة؟
وأثناء إنكار الجدة وابنتها، كانت تعيش معهم في المنزل شقيقة الجدة الكبرى، المصابة بمرض الزهايمر.
وفي لحظة تذكرت فيها ما حدث، أدلت هذه السيدة بشهادة فاصلة للمحققين، وقالت إنها تذكرت رؤية الجدة وابنتها تؤذيان الطفلة.
كانت تلك الشهادة بمثابة خيط جديد في قضية مقتل رضيع الصف، ودفعت المحققين إلى مواجهة المتهمتين بمزيد من التفاصيل.
الانهيار والاعترافات
ومع مواجهة الجدة وابنتها بهذه الشهادة والتفاصيل الطبية، انهارتا واعترفتا، بحسب ما ورد في التحقيقات، بكافة الجرائم.
كشفت الجدة أنها حقنت الطفلة الأولى لتخدع الجميع بحكاية الثعبان، ثم حقنت الرضيع بالمادة الملوثة في عمق رئتيه بسبب كرهها الشديد لزوجة ابنها ورغبتها في تدمير زواجهما.
وقالت الجدة في اعترافاتها، بحسب ما ورد في القضية، إن أمل لو كانت حاملاً في ذلك الوقت لانتظرت حتى تلد وفعلت نفس الشيء بالطفل الجديد.
أما العمة، فاعترفت بأنها لم تنفذ الحقن بنفسها، لكنها كانت تشعر بالسعادة مع أمها كلما أقدمتا على إيذاء الأطفال والتخلص منهم.
قضية هزت رجال المباحث
وأكد رجال المباحث والمحققون في أقوالهم أن هذه الجريمة من أبشع القضايا التي تعاملوا معها، لما تحمله طريقة الاعتداء على الرضيع من قسوة وتجرد تام من الإنسانية.
لم تكن الصدمة فقط في وفاة رضيع، وإنما في أن الاتهامات دارت حول أشخاص من داخل الأسرة نفسها، وفي بيت كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا للأطفال.
النهاية.. لكن القضية لم تنتهِ
تمت إحالة المتهمتين، الجدة وابنتها، إلى النيابة العامة، التي قررت حبسهما على ذمة التحقيقات، وإخلاء سبيل الزوجة بعد ثبوت براءتها، بينما لا تزال القضية أمام جهات التحقيق.
وفي الوقت نفسه، عاش الأب والأم صدمة إنسانية قاسية بعدما اكتشفا أن الجدة والعمة هما، بحسب ما توصلت إليه التحقيقات، السر وراء هذه الجرائم البشعة.
قصة جريمة الصف في الجيزة ليست مجرد واقعة قتل رضيع أو إصابة طفلة، بل حكاية بدأت بخلافات أسرية وغيرة وصراع داخل بيت واحد، ثم انتهت بمأساة تركت خلفها طفلًا فقد حياته، وطفلة نجت بأعجوبة، وأبوين يعيشان صدمة لا يمكن وصفها.
وفي النهاية، تبقى كل الاتهامات والاعترافات محل تحقيق، ويظل القضاء وحده صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد المسؤولية الجنائية.






