الرئيسيه

“مذبحة كرموز بالإسكندرية: الأب الغائب، الأم المريضة، وأطفالهم الستة ضحايا الفقر والجوع”

هذه الصورة ستظل تطارد الأب المتحجر في الدنيا حتى يقتص الله منه في الآخرة. غاب الأب وحملهم الغرباء.. وأصغر ضحيتين ملقوش ‘نقالة’ تشيلهم! مشاهد تبكي الحجر من جنازة ضحايا ‘مذبحة كرموز’.. ٦ نعوش في وداع حزين ومحدش من أهلهم حضر.

في مشهد يقطع القلب وميتمناهش عدو ولا حبيب.. خرجت جنازة ضحايا (مذبحة كرموز) بالإسكندرية في موكب جنائزي مهيب، لكنه كان غريباً وموجعاً لأقصى درجة!

الكسرة والوجع مش بس في الموت، الوجع الحقيقي إن الـ ٦ جثامين (الأم وأطفالها الـ ٥) ملقوش حد من دمهم يشيلهم! غاب الأب (الأردني) وتخلى كل الأقارب، فكان ‘الغرباء’ هما السند، وشالوهم على أكتافهم لمثواهم الأخير بدموع محبوسة.

من كتر الوجع وقلة الحيلة، أصغر طفلين ضحايا ملقوش حتى (نقالة) تنقلهم لسيارة الإسعاف، واتشالوا بطريقة توجع القلب وكأن الدنيا استخسرت فيهم حتى وداع كريم!

الأم اللي ماتت وهي عندها ٤١ سنة بس، سحبت ولادها معاها هرباً من ظلم الأب وجحوده، والنهاردة الإسكندرية كلها كانت هي ‘الأهل’، والكل كان بيسأل بمرارة: إزاي قلب الأب يطاوعه يغيب عن مشهد زي ده؟ وإزاي عيلة كاملة تتدفن ومحدش من دمهم يودعهم؟

ما أكتبه الآن هو “الأبشع والأغرب” في تاريخي المهني.. جريمة لا يصدقها عقل، ولا يستوعبها قلب بشر. “الجوع كافر”.. جملة بنسمعها كتير، بس المرة دي الكفر مكنش في اللقمة، الكفر كان في “الرحمة” لما تتوهم إن الـ سـكـيـنــة هي الحل الوحيد للوجع.

في بيوت “كرموز” بالإسكندرية اللي الحيطان فيها بتسمع أنين الغلابة وعزه نفسهم تمنعهم السؤال للغير، اتكتب أغرب وأبشع عهد ممكن بشر يوقعه.. “عهد دم” بين أم بياكل السرطان في جسمها وابن بياكل اليأس في قلبه. الحكاية مش شاب اتجنن، أو شاب ضارب ايس وبودر! قرر قتل إخواته الخمسة وأمه.. لا خالص، الحكاية عيلة قررت “تتعشى موت” عشان تهرب من واقع بيذل القوي قبل الضعيف، واب لا يمت الصلة للإنسان ولا للرجولة.

بكل ثبات، وقف الشاب قدام المحققين وريحة الدم لسة في إيده بيحكي الكواليس: أنا وأمي قعدنا واتفقنا.. الدنيا ضاقت، والفقر نهشنا، ومعدناش قادرين نشوف دموع إخواتي وهم جعانين وعايزين يلبسوا زي بقية العيال.. قلنا نريحهم ونرتاح، ونروح مكان مفيش فيه لا جوع ولا كسرة نفس عند الله.

في أوضة ضيقة ريحتها فقر ومرض، تحول الابن لـ “ملك موت” بطلب من أمه. في مشهد يفطر القلوب، وقف الشاب والـسـكـيـنه بترعش في إيده، بيبص لإخوته الخمسة وهم غرقانين في نومهم، مش بيحلموا بلعبة ولا لبس عيد، دول بيحلموا بـ “شبعة” مجتش أبداً. بدموع سابقة نصل الـسـكـين، كان يهمس في ودن كل طفل: “سامحوني.. بريحكم من أب باعنا إلى الفقر والذل”.

الأم؛ اللي جفت عروقها من الكيماوي والعوز، كانت قاعدة في ركن الأوضة بتراقب بدموع متحجرة ابنها وهو بيخلص على فلذات كبدها. لا صرخت ولا استنجدت، كانت بتمسح على قلبها وبتودعهم، مستنية دورها في “طابور الخلاص”. ولما جه دورها، محاولتش تهرب، سندت راسها لورا وغمضت عينيها، وكأنها بتفتح للسكينة باب للهروب من هذا الوجع وقلب كسره الاحتياج.. ماتت الأم وهي “راضية” عن ذبحها.

في النهاية، الشاب خلص على إخوته الـ 5 وأمه، وطلع السطوح عشان يرمي نفسه ويحصلهم لـ “الراحة الأبدية”.. بس القدر منعه عشان يعيش “ميت” بالذنب ورا القضبان، ويشيل شيلة “مذبحة كرموز” لوحده. دي مش مجرد حادثة، دي صرخة في وش كل أب غايب وكل جار وكل جمعية خيرية وكل قلب ماتت فيه الرحمة.

أم مصابة بالسرطان وأطفالها الستة ضحايا الفقر والجوع، والأب الغائب عن حياتهم، وبيت كرموز بالإسكندرية الذي شهد النهاية الأليمة. قصة تقشعر لها الأبدان وتترك للقارئ التساؤل: هل كان بالإمكان تجنب هذه المأساة لو كان الرحمة والاهتمام حاضرين؟

📌 رابط المقال: https://khabralywm.com/madhbah-krmooz-ab-ghaeb

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى